ابراهيم بن عمر البقاعي
132
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
على غير ذلك فليحذره كل أحد في حال الخلوة كما يحذره في حال الجلوة ، فيا لها من عظمة باهرة ، سطوة ظاهرة قاهرة ، يحق لكل أحد أن يبكي منها الدماء فضلا عن الدموع ، وأن تمنعه مريح القرار ولذيذ الهجوع ، روى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « استأذن عليّ أفلح أخو أبي القعيس رضي اللّه عنه بعد ما أنزل الحجاب ، فقلت : لا آذن له حتى أستأذن فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فدخل عليّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : يا رسول اللّه ! إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : وما يمنعك ؟ قلت : يا رسول اللّه ! إن الرجل ليس هو أرضعني ، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس ، فقال : ائذني له فإنه عمك تربت يمينك ، قال عروة : فلذلك كانت عائشة رضي اللّه عنها تقول : حرموا من الرضاعة ما تحرموا من النسب » « 1 » . ولما كانت هذه الآيات وما قبلها وما بعدها في إظهار شرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبيان مناقبه ، علل الأوامر فيها والنواهي وغيرها بقوله ، مؤكدا لاقتضاء الحال ذلك أما ممن آذاه بالجلوس في غير حينه فواضح ، وأما غيره فكان من حقهم أن لا يفارقوا المجلس حتى يعلموا من لا يعرف الأدب ، فكان تهاونهم في ذلك فعل من لا يريد إظهار شرفه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو تأديب وترهيب : إِنَّ اللَّهَ أي وعلمكم محيط بأن له مجامع الكبر والعظمة والعز وَمَلائِكَتَهُ أي وهم أهل النزاهة والقرب والعصمة . ولما كان سبحانه قد قدم قوله : « هو الذي يصلي عليكم وملائكته » فأفرد كلّا بخبر ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعلى المخاطبين حظا من ذلك ، فإنه رأس المؤمنين ، أفرده هنا بهذه الصلاة التي جمع فيها الملائكة الكرام معه سبحانه وجعل الخبر عنهم خبرا واحدا ليكون أتم ، فإن قولك : فلان وفلان ينصران فلانا ، أضخم من قولك : فلان ينصره وفلان ، فقال تعالى : يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ أي يظهرون شرفه وما له من الوصلة بالملك الأعظم بما يوحيه اللّه إليه من عجائب الخلق والأمر من عالم الغيب والشهادة ، وهو معنى قول ابن عباس رضي اللّه عنهما كما رواه البخاري : « يبركون » « 2 » . ولما كانت ثمرة المراد بهذا الإعلام التأسي ، علم بآخر الكلام أن المعنى :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4796 و 5239 ومسلم 1445 وأبو داود 2057 والترمذي 1148 وابن ماجة 1949 وابن حبان 4219 ومالك 2 / 601 وأبو يعلى 4501 والدارقطني 4 / 178 والدارمي 2 / 156 وأحمد 6 / 38 و 194 من حديث عائشة . ( 2 ) ذكره البخاري قبل حديث 4797 معلقا عن ابن عباس قوله وأخرجه الطبري 28632 عن ابن عباس موقوفا عليه .